ابن أبي مخرمة

451

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

وانقطع رجاء صاحب الشحر من البلد ، فأصبح يوم الاثنين متوجها نحو بلده هاربا ، فانفتح المركب الذي هو فيه ، ونبذه إلى ساحل المكسر ، فخرج الظافر بعساكره من باب البر ، وخرج معه نقباء يافع آل أحمد ، فأسر أبو دجانة وابن أخيه ، وبادر نقباء يافع آل أحمد إلى قتل مبارك الثابتي ، وهو الذي كان سببا في تجهيز أبي دجانة ، وبادروا أيضا إلى قتل ابن عمه حسب أن خرجا من البحر ؛ خشية أن يؤسرا ، فيكيداهم بالصحيح والسقيم ، ولام الملك الظافر نقباء يافع على قتل الثابتي ، وكان غرضه أسره ، وأسر جماعة من عسكر أبي دجانة من يافع وغيرهم ، وأركب أبو دجانة على جمل ليراه الناس ، وأدخل به وبالأسرى إلى عدن ، وكان يوما مشهودا . ويحكى أنه قيل للشيخ عامر بن طاهر وأبو دجانة في الميدان والخيل تلعب فيه : إنه محسوب لأبي دجانة أن يشرف من دار السعادة ، فأمر باطلاعه إليه مقيدا ، وأمر بأن يشرف من الروشن على الذين يلعبون في الميدان . ولم يزل أبو دجانة محبوسا مقيدا إلى أن وصلت والدته بنت معاشر من الشحر ، وكانت امرأة كاملة ، ذات حزم وعزم ، يقال : إنها نهته عن التجهيز إلى عدن ، وعذلته عن ذلك ، فلم يصغ إلى كلامها ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا ، وهي التي ضبطت الشحر في غيبة ولدها ، فلما وصلت إلى عدن . . سعت في فكاك ابنها ، ويسلم لهم الشحر ، فأطلق أبو دجانة من القيد والحبس ، وجعل هو ووالدته في بيت تحت الحفظ إلى أن قبض نائبهم الشحر . . فأطلقوه هو ووالدته ، فسارا إلى بلدهم حيريج ، وتوفي أبو دجانة عقب وصوله إلى بلده . ويقال : إنه لم يخرج من عدن إلا مسموما ، واللّه أعلم بحقيقة الأمر . ولما وصل أبو دجانة إلى فوق البندر . . خاف أهل البلد من دخوله ونهبه للبلد ؛ لأن غالب عسكره أوباش مجمّع ، فرأى بعضهم في النوم كأن باب الساحل مفتوحا ، وأن الشيخ محمد برسة الجبرتي مادا ذراعيه بين البابين ، وطالت ذراعه حتى بلغت من الباب إلى الباب كالمانع للناس من الدخول ، فأصبح يخبر الناس بذلك ، ويبشرهم بالأمان « 1 » . وفي ذي الحجة منها : استولى عباس الحبيشي على مخلافه ، فنزل إليه المجاهد من بلده ، واستقر بجبلة في الشهر المذكور « 2 » .

--> ( 1 ) « تاريخ شنبل » ( 188 ) ، و « بغية المستفيد » ( ص 126 ) ، و « اللطائف السنية » ( 183 ) ، و « تاريخ حضرموت » للكندي ( 1 / 147 ) ، و « جواهر تاريخ الأحقاف » ( 2 / 168 ) ، و « تاريخ حضرموت » للحامد ( 2 / 581 ) . ( 2 ) « بغية المستفيد » ( ص 126 ) ، وتتمة القصة ستأتي في حوادث سنة ( 862 ه ) .